عبد الملك الجويني
47
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
وذهب أهل الحق إلى إثبات الكلام القائم بالنفس ، وهو الفكر الذي يدور في الخلد ، وتدل عليه العبارات تارة وما يصطلح عليه من الإشارات ونحوها أخرى . والدليل على إثبات الكلام القائم بالنفس : أن العاقل إذا أمر عبده بأمر ، وجد في نفسه اقتضاء الطاعة منه وجدانا ضروريا . ثم إنه يدل على ما يجده ببعض اللغات وبضروب من الإشارات أو برقوم تسمى الكتبة . فإن زعموا أن ما ذكرنا من الأمر إنما هو إرادة الآمر امتثال المأمور لأمره ، فذلك باطل ، فإن الآمر قد يأمر بما لا يريد أن يمتثل المخاطب فيه أمره ، وإن كان يجد في هواجس النفس الاقتضاء منه الذي هو مدلول العبارة . وسندل من بعد على أن الآمر الموجب لا يجب كونه مريدا للفعل المأمور به . فإن قالوا : الذي يجده في نفسه إرادة تجعل اللفظ الصادر منه أمر على جهة ندب أو إيجاب ، وهذا باطل من أوجه ؛ أحدها أن اللفظة تتصرم مع استمرار وجدان الاقتضاء في النفس ، والماضي لا يراد بل يتلهف عليه ، وعلى اضطرار نعلم أن ما نجده بعد انقضاء اللفظ ليس تلهفا على منقض . ومما يوضح ذلك أن اللفظة ترجمة عما في الضمير وهذا مما تقضي به العقول ، وليست اللفظة ترجمة عن إرادة جعلها على صفة ، بل هي ترجمة اقتضاء وإيجاب ، ولا يجحد ذلك محصل . فإن قيل : الاقتضاء ضرب من الاعتقاد ، كان محالا ؛ فإن الاعتقاد إما أن يكون ظنا أو علما أو جهلا ، إلى غير ذلك من صنوف الاعتقادات ، والذي يجد من نفسه الاقتضاء يقطع بأنه ليس بعلم ولا ظن ولا جهل ولا حدس ولا تخمين . والذي يحقق ذلك أن ما ألزمونا من جعل الاقتضاء إرادة واعتقادا ، يلزمهم القول به في النظر ، فلو قال قائل : النظر إرادة علم بالمنظور فيه أو هو من ضروب الاعتقادات ، فلا ينفصلون عن ذلك بما يوضح كون النظر زائدا على الإرادات والاعتقادات إلا وسبيلهم يطرد لنا في إثبات غرضنا . ومن الدليل على إثبات كلام النفس أن قول القائل : « افعل » قد يتضمن استحبابا وقد يتضمن إيجابا ، وقد يقتضي إباحة ، وقد يرد مورد النهي . فإذا دل على إيجاب يستحيل أن يكون هو الإيجاب بنفسه ، فإن صورة اللفظ في إرادة الإيجاب كصورة اللفظ في إرادة الاستحباب ، إذ هو أصوات متقطعة ضربا من التقطع ، والأصوات لا تختلف في انقسام جهات الاحتمالات على قطع . فيلزم المصير إلى أن الإيجاب معنى في النفس ، ثم تعتور عليه الدلالات بالعبارات وغيرها من الأمارات . فإن قيل : ما ألزمتمونا في مرامكم ينعكس عليكم في كون اللفظ دليلا على ما في النفس ، فإن الدليل على الإيجاب يجب أن يتميز عن الدليل على الاستحباب ، قلنا : ليس يرجع تمييز الدليلين إلى أنفس الأصوات ، ولكن إذا اقترنت القرائن بالألفاظ وشهدت الأحوال ، اضطر المخاطب إلى درك مقصوط اللافظ . وما ذكرناه من قرائن الأحوال ليست من الكلام عند المخالفين ، فهذا القدر مغن في مدارك العقل .